الشيخ محمد النهاوندي
381
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا نهى سبحانه النبي صلّى اللّه عليه وآله عن التعجيل في القرآن والسؤال اللذين هما من أعمال الدين ذمّ سبحانه الناس على حبّ الدنيا العاجلة بقوله تبارك وتعالى : كَلَّا ليس لأحد التعجيل في الأمور ، وليس اعتذاركم أيّها الناس في القيامة صدقا بَلْ عصيتم ربّكم لأنّكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه ، ولذا كنتم تُحِبُّونَ الدنيا الْعاجِلَةَ وتعملون لها وَتَذَرُونَ وتتركون النشأة الْآخِرَةَ وتعرضون عنها . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 22 إلى 30 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) ثمّ بيّن سبحانه حسن حال المؤمنين وسوء حال الكافرين فيها لحثّ الناس على العمل لها بقوله : وُجُوهٌ كثيرة وهي وجوه المؤمنين الصالحين يَوْمَئِذٍ وفي ذلك الوقت ناضِرَةٌ وحسنة ومشرقة بهية من أثر النعمة والراحة ، وهي إِلى رحمة رَبِّها ناظِرَةٌ . عن الرضا عليه السّلام قال : « يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها » « 1 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام - في حديث - قال : « ينتهى أولياء اللّه بعد ما يفرغون من الحساب إلى نهر يسمّى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون منه ، فتبيّض وجوههم إشراقا ، فيذهب عنهم كلّ قذى ووعث ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة ، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم » قال : « فذلك قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وإنّما يعني بالنظر إليه إلى ثوابه تبارك وتعالى » . والناظرة في بعض اللغة : هي المنتظرة ، ألم تسمع إلى قوله : فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ؟ أي منتظرة « 2 » . أقول : قد غلط جمهور أهل اسنّة - وهم الأشاعرة - حيث تمسّكوا بالآية لإثبات أن المؤمنين يرون اللّه تعالى بأبصارهم في القيامة ، لعدم جواز التمسّك بظواهر الآيات لإثبات المحال العقلي ، مع أنّ الآية غير ظاهرة في مدّعاهم ، لجواز كون الناظرة بمعني منتظرة . وَوُجُوهٌ كثيرة ، وهي وجوه الكفّار يَوْمَئِذٍ ، وحين قيام القيامة باسِرَةٌ وعابسة كالحة ، مظلمة ألوآنها معدمة آثار السرور والنعمة منها ، لظهور الشقاء واليأس من رحمة اللّه ، فعند ذلك
--> ( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 114 / 2 ، تفسير الصافي 5 : 256 . ( 2 ) . الاحتجاج : 243 ، تفسير الصافي 5 : 256 .